صديق الحسيني القنوجي البخاري

18

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثم شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله كمن لا يخلق عاجزة عن أن يصدر منها خلق شيء فلا تستحق عبادة فقال : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ بالياء والتاء سبعيتان ، أي الآلهة الذين يدعوهم الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ سبحانه صفتهم هذه الصفات الثلاثة المذكورة المنافية للألوهية ، وهي أنهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً من المخلوقات أصلا لا كبيرا ولا صغيرا ولا جليلا ولا حقيرا . وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي وصفهم أنهم يخلقون فكيف يتمكن المخلوق من أن يخلق غيره ؛ ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه أثبت لهم صفة النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال بخلاف قوله : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال . ثم ذكر صفة أخرى من صفاتهم فقال : أَمْواتٌ يعني أن هذه الأصنام أجسادها جمادات ميتة لا حياة بها أصلا ، فزيادة قوله : غَيْرُ أَحْياءٍ لبيان أنها ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها بل لا حياة لهذه أصلا فكيف يعبدونها وهم أفضل منها لأنهم أحياء وَما يَشْعُرُونَ أي الآلهة أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي الكفار الذين يعبدون الأصنام ؛ والمعنى ما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار ، ويكون هذا على طريقة التهكم لهم لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلا عن الأمور التي لا يعلمها إلا اللّه سبحانه . وقيل معناه ما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث ومتى يبعثها اللّه ، وبه بدأ القاضي تبعا للكشاف ، ويؤيد ذلك ما روي أن اللّه يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحا معها شياطينها فيؤمر بكلها إلى النار ، ويدل على هذا قوله : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] . وقيل قد تم الكلام عند قوله : وَهُمْ يُخْلَقُونَ ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ، فيكون الضميران على هذا للكفار وعلى القول بأن الضميرين أو أحدهما للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو للعقلاء جريا على اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل ، وأيان بفتح الهمزة وكسرها لغتان . وفي الآية قول آخر وهو أن أيان ظرف لقوله : إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يعني أن الإله يوم القيامة واحد ولم يدع أحد تعدد الإله في ذلك اليوم بخلاف أيام الدنيا فإنه قد وجد فيها من ادعى ذلك ، وعلى هذا فقد تم الكلام على قوله يشعرون ، إلا أن هذا القول مخرج لأيان عن موضوعها ، وهو إما الشرط وإما الاستفهام إلى محض الظرفية بمعنى وقت مضاف للجملة بعده ، والظاهر تفسيره بمتى يبعثون كما في الكشاف وغيره . ولما زيف سبحانه طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر وهو